unfinished
hundred days
writing journey

. كان هذا الشارع يبدو -حين كنت صغيرة قصيرة- طويلاً واسعاً بلا نهاية، ضاق الرصيف واتسع الشارع ثم اتسع الرصيف وضاق الشارع، وما زالا يتبادلان الأدوار وكأن الطريق ينبض أو يتنفس.

هل نستعيد الذاكرة أم نختلقها؟ سمعت عن مطعم سقراط أول مرة قبل سنتين تقريباً من عمي، أول مطعم برغر في مدينة الخبر افتتح عام ١٩٦٩، تداخلت أحاديث ذكريات عمي وأبي معاً عن أيام المتوسطة في الخبر الشمالية وعن سندويش البيض بالجبن وعن المطعم الذي ما زال موجوداً حتى الآن والمحاسب أكرم الذي ما زال يعمل فيه منذ خمسة وثلاثين عاماً. زرت المطعم بعدها بدافع الفضول مرتين أو ثلاثاً لا أكثر، ومع ذلك تسلل سقراط وأكرم وصور طفولة أبي وأعمامي إلى تيار "ذاكرتي" وتربع فيها حتى صار اليوم بالنسبة لي عموداً من أعمدة الخبر وكأنني لا أتخيل الخبر بدونه. هل هو ميلنا الطبيعي لخلق الرموز؟ أم هو ولعنا بملاحقة اسم التفضيل؟ أم هل يربطنا خيط أثيري بالأمكنة والحكايات؟ . .. لا جواب عندي غير قول تميم " علينا اختلاق الدار حتى نحبها"

الأرض التي تحت رجليك لها حياتها ومزاجها، لها أن تمتد أو تنكمش أو تتبعثر أو تتصلب أو تسيل أو حتى ترقص أو تتثائب. أحياناً تقرر أن تكون حلوى جيلي، وأحياناً أخرى طاولة هوكي هوائي. عشت فترة لا بأس بها من حياتي وأرضي لوح توازن يتأرجح وكنت أعلم أنها قد تقرر أن تتحول إلى دلفين في أي لحظة. مزاج الأرض هنا هش لا يعول عليه، إنما نعوّل على المرونة وروح المغامرة.

غنّت عَنان "الماضي يُفهم يطوى" .. ودندنتُ معها هذا البيت في كل مرحلة بينيّة مررت بها، في كل انتهاء تجربة وابتداء أخرى أنظر للوراء للإعصار الراحل ثم أنظر إلى يدي أتأمل ما ألقت فيهما العاصفة من دروس، أحفظها جيداً ثم أحملها في جعبتي وأمضي وأنا أدندن مع طارق .. . "أنا من هذا الزمان أمضي فيه ولست إلا فارساً أرخى العنان للأيام الآتية" إلا أني لم أعرف ماذا علي أن أدندن حينما قابلت طيفاً من الماضي يشير إلى الوراء بإلحاح بدون أن ينطق بكلمة! هل من غنوة؟

ساهم جد أبي في بناء هذا الجامع على رأس الشارع الرابع مقابل المقبرة على عادة كثير من مساجد الأحياء التي يتعاون أهل الحي في إعمارها. صحيح أن تاريخ ١٣٧٣هـ يبدو قريباً بعمر التاريخ إلا أنه في الحقيقة بقِدم الدهر بالنسبة لعمر الخُبر الشابة. سمعت أسماء العوائل التي جاورت بيت جدي وطفولة أبي في ذلك الحي حتى حفظتهم، الزايدي، بانخر، باحكيم، الخزيم ..وغيرهم الكثير، وكم كانت دهشتي وشعوري لطيفاً حينما قابلت بناتهم وحفيداتهم صدفة في أوقات وأماكن متفرقة وعرفنا بعضنا من اسم العائلة وحكايات الآباء. لحظات كهذه هي انتصاراتي الصغيرة على أسطورة المجتمع الحداثي المتفكك الفاقد للذاكرة والمدينة التي تمسخ البشر لآلات. . للأسف هُدم المسجد العام الماضي "بغرض تجديده" بدون اعتبار لاعتراض أهل الحي ولقيمته المعنوية التراثية الكبيرة. نظلم زماننا كثيراً حينما نَقصر مفهوم التراث على الزمن الغابر وننسى أن الحاضر والماضي القريب والحداثة أيضاً هي تاريخ في طور الكتابة وهي جزء منا شئنا أم أبينا.

من طول العشرة صار الصمت بيننا بنفس حلاوة الكلام.

كيف نستميت في سبيل ما نؤمن به؟ ما نطاق الوسع وحد الاستطاعة؟ . عبأنا أنفسنا زمنا طويلاً بحكايات الأبطال وأدوار من بلغوا المدى بالبذل والاستماتة .. لكننا نعرف أننا لسنا أبطالاً. لا طاقة لنا بالوقوف في وجه التيار ولا قدرة لنا على التضحية ولا استعداد عندنا للمخاطرة ولا أظننا نلام على ذلك .. أنا السيد عادي الذي صدعوا رؤوسنا بقصته .. أنا السيد عادي الذي سيعيش عيشة عادية ويموت ميتة عادية، لا أدعي البطولة وهجرت السعي وراءها منذ زمن بعيد، لكنما أؤمن أن استماتة العاديين الخائفين المترددين المتلعثمين المتسلحين بالمجاز والمتقنّعين بالإعراض الذين يدفعون التيار من الداخل لمسار أعدل هي استماتة لا تقل بطولة.

لسنا نهوى القصص لقضاء الوقت وحسب، إنما الحكايات جزء أساسي من نسيجنا .. نحن أنفسنا حكايات تمشي على قدمين، تتشابك في دواخلنا أزمنة متعاقبة ومتداخلة ومتوازية في آن واحد، نتداخل في حكايات بعضنا حتى نكاد لا نميز خيطاً عن خيط، وقد تتباعد بنا السبل حتى تبدو حكاياتنا من عوالم متوازية لا تتقاطع. نلاحق القصص خارجاً في الروايات والأخبار ونصاحب الأفلام والمسلسلات بحثاً عن هالة تشبهنا أو نريد أن نشبهها، بحثاً عن خيوط نجرب أن ننسج فيها أو لون نصبغ به النسيج .. بحثاً عن رفيق أو تيقناً من قيمة أو ترسيخاً ليأس أو سعياً وراء حلم .. نبحث عن شيء يرد الصوت، لا توجد حكاية عابرة.

وقفة محبة وامتنان للسنوات الأحادية التي منحتني رهافة عين ابنة الصحراء وأنا لم أبرح المدينة يوماً في حياتي .. سنوات الـ"عادية" والألوان الترابية وصمت الشوارع و"صناديق الإسمنت" ليست بالبرود الذي يبدو عليها أو الذي يقال عنها. الإنسان يبني ذائقة وعلاقة مع الأشياء كيفما كانت وأينما كان .. يسعدني غلاف لابتوبي المرسوم بحجارة تشبه بلاط الحوش أو السطوح فقط لأنه يشبهها، مع أني كنت أكره هذا البلاط لما كنت صغيرة كما كنت أكره الأسواق الشعبية المفتوحة وأموت من الحر والضيق فيها، لكنها صارت الآن سعادتي مثل الملاهي .. هل هي القناعة بالموجود؟ أم هو الحنين؟ أم هو التعود على واقع الصحراء الذي يفتح عينيك على الجمال في عشبة نابتة في الفراغ أو فرق في لون الرمال أو كتابة ذكية على الحائط؟

"يا رب احفظ فينا شعور الدهشة" -ريم شهر مر على بدء موسم الربيع والأشجار هنا لا تكف عن إدهاشي بتغير جديد كل يوم، أقف في كل مشوار لأصور برعماً أو ألتقط وردة أو أقطع غصنا وعذري الوحيد "ذس از ماي فيرست سپرنق" وبداخلي متعة وامتنان خفي للمرات الأولى التي تأتي متأخرة -نسبياً- لتكون أطعم. أول مرة أشاهد توالي الفصول الأربعة ولا أملك أمام درامية تساقط الأوراق وألوان الربيع الفاقعة إلا أن أتمتم بدهشة .. "قلة أدب!".

أنا الميدان .. أنا خط التماسّ .. أنا الأرض التي يتنازعها جيشان متعادلان منذ ألف سنة، وأنتهي دائما لنفس الحال "لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء".

أتعبنا من يريد إطفاءنا .. كلما أخمد رأساً وأعاده لحفرته ظهرت له رؤوس أخرى من حيث لا يحتسب تشاكسه وتتحدى مطرقته الإسفنجية. تذكروا دائماً: نحن الكابوس، وكفى بذلك نصراً.

لطالما رُبِطت فقرة "ثقافات الشعوب" بالمأكل والملبس واللون والمعمار في زمن ماضٍ متجمد ومشاهد مشحونة بعجائب لا تكاد تجتمع في الواقع، ولا غرابة في ذلك بطبيعة حال الحاضر السريع المعتمد على المعلومات الصورية المعلبة. وتتعقد المسألة أكثر حينما نسعى لـ"حفظ التراث" و"العودة للأصالة" ثم ندرك أننا وقعنا في فخ تمثيل هذه الصور المعلبة وساهمنا في تسطيحها أكثر فأكثر. أزعم أن الغربة من أجدى طرق التأمل في هذه المسألة والإجابة عليها .. في غربة الثقافة واللغة تبدأ تدرك ساحات هائلة من جوانب الثقافة اللامادية .. أسلوب الضيافة، عبارات الترحيب، التعبير عن الشكر، المبادرة و الحياد، نوع المواضيع الحساسة والتابوهات، أساليب العطاء، المسلّمات، الأولويات، مفهوم الأخلاق، أسباب الحزن والفرح والقلق، البساطة والتكلف، المراحل المفصلية في الحياة، التعامل مع المال، مستوى الصراحة أو المراوغة .. والقائمة لا تنتهي. أوقن مع تراكم كل هذه التفاصيل الصغيرة أن الملبس والمأكل وكل المظاهر هي توابع لهذا التراكم، وأن هذه التفاصيل قطع أحجية كبيرة أتحرق شوقاً لأن أدركها في يوم ما.

صورة الآخر دائماً مختزلة وانتقائية ومضخمة، صحيح أنها تحمل درجات متفاوتة من الحقيقة فلا دخان من غير نار إلا أنها دائماً مختصرة اختصاراً مخلاً ومعممة تعميماً سخيفاً مجحفاً. أفترض أن أسهل طريقة للفهم ولتحري المصداقية هي أن تجعل نفسك في مكان الطرف الآخر وتحاول أن تتخيل أصل الصورة التي تقال عنه. كوني سعودية عربية مسلمة يعني أني قادمة من ثقافة محجوبة وراء ستائر كثيفة من الصور النمطية، وأزعم أن كون المرء في هذا الموقف يجعله أكثر وعياً وقدرة على تفكيك الأساطير التي تحاك عن غيره وردها إلى حجم قريب على الأقل من الواقع. هذا الأسلوب وحده لا يعطي أي حقائق لكنه على الأقل يختزل الأكاذيب ويختصر مشوار التفاهم، والأهم أنه قد يخرجك من موجة العمى والببغائية التي لا ننفك نتخبط فيها.

نشيطن كلمة "عيب" في كل معرض وعمل فني ومقال اجتماعي ونشكو الضغوط التي مورست والمظالم التي وقعت تحت شعارها، لكن نتناسى كم أوقفت نفس هذه الكلمة وقحاً من التمادي في وقاحته وسفيهاً من فعل سفاهته، وكم ندين لها بنظافة ألسنتنا ولطف أفعالنا وكرم أعمالنا وكثير من مبادراتنا وقراراتنا. . ونشكو من "ثقافة الفضيحة" ونسعى جاهدين لإلغائها لنفس الأسباب متناسين أن رجلاً نذلاً لا يرده خوف من الله ولا ضمير لن توقفه إلا أداة اجتماعية قوية واحدة هي هذه الكلمة "الفضيحة". . لماذا ننسف بكل هذا الحماس أدوات اجتماعية بهذا التأثير وهذه القوة بدل أن نستخدمها ونشذب معناها في سبيل المقصد الذي نسعى إليه؟ ما الصعب في محاربة الجزئيات الضارة و الإبقاء على الهيكل النافع؟ ما هذا السعي الحثيث باتجاه الطوفان بلا سفينة ولا خطة بديلة؟

في داخلنا أصوات عديدة تطالبنا بالكثير من المتناقضات في آن واحد وطوال الوقت، صوت يلح عليك أن تبدأ عملك في أبكر وقت وصوت آخر يدعوك لانتظار إلهام اللحظة الأخيرة، صوت يستثيرك لتفرض حقك فرضاً وآخر يقنعك أن تكبّر عقلك وتتسامح، صوت يغريك بمشاركة فكرتك التي تعمل عليها والحديث عنها وإن كانت غير مكتملة والآخر يحذرك من حسرة طرح فكرة لم تنضج بعد .. كل الأصوات غالباً لها منطق متساوٍ، لكن مع الوقت تلاحظ صوتاً يثبت نفسه في كثير من الأحيان، إن أخذت به ارتحت وإن لم تأخذ به تحسرت، قد لا يكون الصوت الأعلى ولا الأقوى حجة لكنه أعرف الأصوات بظروفك وقيمك ونمط عملك ومستوى احتمالك وتدرج اهتماماتك وأولوياتك ويأخذ كل هذا بالاعتبار حين يقترح عليك ما يقترحه. . هل تعرفت على صوت نفسك أم ما زلت تنصت وتحاول؟

تجولت طويلاً في الخبر والظهران والدمام بصحبة أصدقاء كثر، تحدثنا عن الكثير ولاحظت الكثير وصورت أكثر، جمعت مصادر كثيرة وتعرفت على مشاريع عديدة .. جمعت الكثير من الأجوبة لكني لم أضع يدي على السؤال الصحيح بعد. . "هوا فين السؤال؟ أنا أحط ايدي عالسؤال تلائيني فريرة"

تبدو لي كراسي الشوارع أشبه بشخص اجتماعي رائق المزاج جالس على قارعة الطريق يسلّم على العابرين المستعجلين ويختلس منهم لحظات حكاوي ومزاح تنقل لهم عدوى المزاج الرائق. ويبدو المنظر لي أظرف إذا كان كرسياً فخماً ثرثاراً أو أريكة كبيرة مشاكسة وكأنهما تناسيا ماضيهما المخملي المتأنق وتقمصا بسرعة روح الشارع.

قد تكون المقارنة أسهل طريقة لتعريف الأشياء، أن تعرّف الشيء بأن تضرب مثلاً لضده ولما يشبهه، طريقة لا شك بجدواها إلا أنها توقعنا في كثير من الأحيان بفخاخ مغالطات شائكة، أو على أقل تقدير تعطينا تعريفاً ناقصاً .. يحضرني هذا السؤال كلما طرح موضوع الهوية، يعرّف الشرقي باختلافه (الواقعي أو المتخيل) عن الغربي، ويعرّف العربي بتشابهه (الفعلي أو الشاعري) مع العربي من بلد آخر، وتعرّف الثقافة بمقارنتها مع ثقافة وُثّقت قبلها، ويعرف الحاضر بمقارنته بالماضي .. أين السبيل الصعب للتعرف على جوهر الأشياء وتعريفها بناء على هذا الجوهر؟ . تحكي القصة الشعبية عن رجل أعمى أبصر النور للحظات ورأى خلالها ديكاً ثم عاد أعمى، صار بعدها كلما وصف له شكل شيء يسأل: "وش هو عن الديك..؟"

حتى هذيان الفنانين إذا تكاثر وتراكم وبعد به الزمن تبدأ تتضح له صورة ويبدأ يشي بشيء مما كان وراء الهذيان وقد يدخل كتب التاريخ ملبّساً رغماً عنه وعن صاحبه بدلائل على لسانه أو لسان حاله .. لا مفر لابن آدم من صناعة المعنى.

متى يصح أن نطلق آراء قطعية أو ننصح الآخرين بناء على تجاربنا إذا كنا نتعلم كل فترة درساً جديداً ينقض قطعية سابقه؟

كانت أشبه ما تكون بي، اخترقت هالتها حاجزي المنيع منذ أول لقاء .. علمت لحظتها أن هذه الصبية الشعلة ستكرر حماقاتي بحذافيرها.

وكان أغلى ما دعوت أن ينعم الله علينا بالتسليم والرضا .. سلاح الضعيف وترف الفقير ودرع المبتلى، طيفان مرهفان صغيران لكنهما إن وقفا يحرسانك تعجز عنهما كل مردة المصائب والمصاعب والأكدار.

تتأجج النيران من حولي وفي صدري بضع سنين، أمضي عدد سنين أخرى أطفئها وأجرف الرماد وأرتب الفوضى، تبرد الحمم وتتحجر ثم أدرك مع الوقت كم من المعادن الثمينة جاءت معها. سنوات من الهدوء والخصب والطفو على كفوف الراحة، ثم يبدأ البركان ينفث الدخان مهدداً بثورة ثانية .. في رأسي هذه المرة. إلى أي مدى تنوي أن تستعر؟ وإلى أين ستأخذني هذه المرة؟ لا بأس على أية حال .. هذه المرة أنا أعرفك، أثق بك وأدرك أنك في صفي. . . "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون"

كل شيء تغير في المجتمع إلا الخوف من النقاش، وأنا أول الخائفين ..